ابن الجوزي
298
صفة الصفوة
الأرض . فقال : ألم تكن الدنيا لكم واسعة وأهلها لكم أناسا ؟ فلما رأيت من عقله ما رأيت قلت له : رحمك اللّه اعتزلت الناس واغتربت في هذا الموضع ؟ فقال : وأنت يا أخي ، فحيثما ظننت أنه أقرب لك إلى اللّه عزّ وجل فابتغ إلى ذلك سبيلا فلن يجد مبتغوه من غيره عوضا . قال : قلت : فالمطعم ؟ قال : أقلّ ذلك عند الحاجة إليه إذا أردنا ذلك : فنبت الأرض وقلوب الشجر . قال : فقلت : ألا أخرجك من هذا الموضع فآتي بك أرض الرّيف والخصب ؟ قال : فبكى ثم قال : إنما الرّيف والخصب حيث يطاع اللّه عزّ وجل ، وأنا شيخ كبير أموت الآن ، لا حاجة لي بالناس . 896 - عابد آخر في جبل أبو حفص عمر بن عبد اللّه المؤذن قال : قال قاسم الجرعن : خرجت حاجّا على طريق الشام ، فبينا أنا أسير في الليل إذ غلطت الطريق فسمعت صيحة فإذا أنا بجماعة قد مسّهم من الغلط مثل الذي مسّني ، وقد وقفوا على رجل من المتعبّدين في جبل وهو يبكي ويقول في بكائه : أترى بكائي نافعي عندك ومنقذ رقبتي من حكمك ؟ أتراك آخذا من نفسي بحقك وموبّخها على رؤوس الأشهاد بما ضيعت من أمرك ؟ ثم صاح : أوّه لكشف سترك عني ، أوّه لوقوفي بين يديك يا سيّداه ، فقال له بعض القوم : إنا غلطنا الطريق . فقال : وأنا أيضا قد غلطت الطريق ، فمن لي ولكم بالاستقامة على وجهها ؟ ثم قال : يا دليل الأدلّاء دلّني ودلّهم ولا تحيّرني وإياهم . قال : فكشف لنا عن الطريق فسلكناها وتركناه واقفا في صومعته . 897 - عابد آخر في جبل بلغنا عن أبي الحارث أحمد بن الحارث الأولاشي أنه قال : رأيت رجلا على رأس جبل كأنه شنّ « 1 » بال شاخصا ببصره نحو السماء لا يفتر عن الذكر . فسألته المقام معه . فقال : إن أطقت ما طوّقت فأقم وإلا فامض عني ، قلت : وما هو ؟
--> ( 1 ) الشن : القربة القديمة البالية الصغيرة .